قال الأرشمندريت والأكاديمي الأب كيريل إن الحرب الروسية على أوكرانيا يمكن فهمها في إطار أوسع بوصفها امتدادًا لصراع تاريخي مرتبط بالاستعمار والهيمنة على الهوية والسيادة، معتبرًا أن التجربتين الأوكرانية والعربية تتقاطعان في العديد من الجوانب المرتبطة بمقاومة المشاريع الإمبراطورية والسعي إلى الحفاظ على الهوية والقرار المستقل. وجاءت تصريحات الأب كيريل خلال حوار ضمن بودكاست المجموعة الإعلامية الأوكرانية العربية، تناول فيه قضايا الاستعمار وما بعد الاستعمار، والتجربة التاريخية لأوكرانيا والعالم العربي، إلى جانب دور الدين في تشكيل وتبرير المشاريع الإمبراطورية. وأوضح الأب كيريل أن الاستعمار لا يقتصر على السيطرة على الأراضي، بل يمثل عملية أوسع يُسلب خلالها الشعب الخاضع للهيمنة جزءًا من هويته ولغته وقدرته على اتخاذ القرار، مشددًا على أن فقدان «الفاعلية» والسيادة يعد من أبرز نتائج التجربة الاستعمارية. وأشار إلى أن أوكرانيا مرت تاريخيًا بمراحل مختلفة من السيطرة الخارجية، قبل أن تصبح الإمبراطورية الروسية أحد أبرز مراكز الهيمنة عليها، حيث تعرضت اللغة والهوية والثقافة الأوكرانية لضغوط وسياسات هدفت إلى إضعاف خصوصيتها. وفي هذا السياق، اعتبر الأب كيريل أن أيديولوجية «العالم الروسي» تمثل في الوقت الراهن إحدى الأدوات الفكرية المستخدمة لتبرير السيطرة الروسية على أوكرانيا، موضحًا أن الحرب الحالية يمكن النظر إليها من هذا المنظور باعتبارها محاولة لإعادة إخضاع أوكرانيا، في مقابل مقاومة أوكرانية تسعى إلى الدفاع عن سيادتها وهويتها وحقها في تقرير مستقبلها.وتطرق الحوار إلى العلاقة بين الدين والمشروع الإمبراطوري الروسي، حيث رأى الأب كيريل أن أيديولوجية «العالم الروسي» تستخدم المسيحية الأرثوذكسية ضمن بناء هوية سياسية وإمبراطورية أوسع، كما ناقش العلاقة بين الكنيسة الروسية والسلطة السياسية في موسكو ودور الخطاب الديني في دعم التصورات السياسية للدولة الروسية. وفي الجانب المتعلق بالعالم العربي، تحدث الأب كيريل عن التجربة العثمانية وأشكال الهيمنة داخل الإمبراطورية، مشيرًا إلى أن الدراسات المتعلقة بالاستعمار ركزت لفترات طويلة بصورة أساسية على القوى الغربية والاستعمار الذي امتد عبر البحار، بينما لم تحصل أشكال ما وصفه بـ**«الاستعمار الداخلي»**، أي إخضاع شعوب وأراضٍ متصلة جغرافيًا بالمركز الإمبراطوري، على القدر نفسه من الاهتمام.ورأى أن الاتحاد السوفيتي ساهم في ترسيخ تعريف ضيق لمفهوم الاستعمار يركز بصورة كبيرة على القوى الغربية، وهو ما ساعد، بحسب طرحه، على إبقاء التجربة الإمبراطورية الروسية خارج جانب مهم من النقاش حول الاستعمار.كما أشار الأب كيريل إلى وجود نقاط يمكن أن تشكل أساسًا لحوار أوسع بين أوكرانيا والعالم العربي، ولا سيما فيما يتعلق بتجارب الشعوب في الدفاع عن هويتها واستعادة سيادتها وحقها في أن تكون صاحبة قرار مستقل، مستشهدًا في السياق العربي بالثورة العربية الكبرى باعتبارها إحدى التجارب التاريخية المرتبطة بالسعي إلى التحرر واستعادة الفاعلية السياسية.وأكد أن جوهر المسألة الاستعمارية لا يتعلق بالأرض وحدها، وإنما بقدرة الشعوب على الاحتفاظ بهويتها وامتلاك روايتها الخاصة وتقرير مستقبلها بعيدًا عن المراكز الإمبراطورية التي تسعى إلى التحدث باسمها أو فرض تصوراتها عليها.وفي ختام النقاش، رفض الأب كيريل حصر التاريخ الاستعماري بالقوى الغربية وحدها، مشيرًا إلى أن روسيا بدورها خاضت تجارب توسعية خارج حدودها، ومتطرقًا إلى ألاسكا ومحاولة إقامة مستوطنة روسية عُرفت باسم «موسكو الجديدة» في منطقة جيبوتي.ويبرز من حديث الأب كيريل أن التجربتين الأوكرانية والعربية، رغم اختلاف ظروفهما التاريخية، يمكن أن تلتقيا عند قضايا الهوية والسيادة ومقاومة الهيمنة الإمبراطورية، وهو ما قد يشكل مساحة للحوار والتفاهم بين أوكرانيا وشعوب العالم العربي، خصوصًا في ظل الحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا.
أوكرانيا اليوم
اقرأ المزيد:
أوكرانيا بين التصعيد الروسي والتحركات الدبلوماسية وتعزيز جبهات القتال
أوكرانيا اليوم أوكرانيا اليوم – الصحيفة الأخبارية الأوكرانية العربية – أوكرانيا